كريم نجيب الأغر

693

إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام

ونقول أيضا : إنه تبيّن لنا في هذا البحث أن القوانين التي سنّها علماء الحديث هي على درجة عالية من المحافظة ، وهذا أمر حميد لأنه يحتاط لديننا من الأحاديث المغلوطة التي فيها من الأخطاء أو الأكاذيب التي - إن اعتمدناها - قد تدخل على أسس هذا الدين المتين الوهن ، ولكن قد يكون من الحكمة أن نخفّف بعض الشيء بعض قيود هذه القواعد في حال تبيّن لنا الحاجة لهذا التصرف ، وذلك لأن هناك مبررات شرعية لهذا ، فرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قد أعلمنا أن الكاذب قد يصدق في بعض الأحيان ، أو قد يخلط بين الكلام الصحيح والكلام الكاذب في الحديثين التاليين : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « صدقك وهو كذوب ، ذاك شيطان » [ أخرجه البخاري ح 4 ] ، وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن الملائكة تنزل في العنان - وهو السّحاب - فتذكر الأمر قضي في السماء ، فتسترق الشياطين السمع فتسمعه فتوحيه إلى الكهّان ، فيكذبون منها مائة كذبة من عند أنفسهم » [ أخرجه البخاري ح 3 ] ، وهذان الحديثان - وإن كانا تحذيرا للأمة بأن نحتاط من الكذابين - ( وهذا ما التزم به جيدا علماء الحديث ) فهما أيضا بمثابة تلميح من خير الأنام صلّى اللّه عليه وسلّم أنه لا يجب أن نقفل الباب مع هؤلاء الذين فقدوا مصداقيتهم في بعض الأحيان ، وأن ننبذ كل أحاديثهم التي رووها ، وننساها إلى الأبد ، فتضعيف الراوي لا يعني أنه يجب علينا أن نحكم على كل أحاديثه بالضعف ، فقد يستوعب الحديث الذي سمعه من راو آخر ولا يستوعب حديثا ثانيا ، وقد يكذب في أحيان ( أو يخلط بين الكلام الصحيح والكلام الكذب ) لدافع الرياء أو لدنيا يصيبها . . . إلخ كأن يظهر أنه حافظ لجميع التراث النبوي ، ومن ثمّ يعود لصوابه في أحيان أخرى ، وقد يكون ضعيف النفس فيكذب ليظهر صادقا ، ظنّا منه أن هذا العمل سيجعل له مخرجا من موقف حرج ، كأن يكون نسي لفظ حديث نبوي أو معناه ولكن لا يريد أن يظهر أمام المجتمع أنه نسيه ، ومن ثمّ تنتفي أسباب الإحراج فيعود لصدقه ، بل حتى ولو كان كثير الكذب فقد يدفعه الخوف من العقاب لأن يصدق ، أو حرصا ألا تذهب مصداقيته في المجتمع الإسلامي ( كما ظهر لنا جليّا في الحديث رقم 4 السالف ذكره ) . . . إلى ما هنالك من أسباب . فكذبه لا يعني بالضرورة أنه ذو مكر شديد يريد أن يخلط مفاهيم هذا الدين ليظهره بصورة متدنية ، فيكذب بلا استثناء ، ومع ذلك فنحن لا نبحث عن إمكانية إرجاع مصداقية هذا الصنف من الرجال ، بل نتحرى عن المواطن التي صدقوا فيها مع الاعتقاد الراسخ أنهم فاقدون لهذه المزيّة . ومن هذا المنطلق فلا يجب أن نعزل تماما روايات الضعفاء وخصوصا إذا كان هناك وسيلة إيضاحية تبيّن كذبهم من عدمه ، والآية : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ [ الحجرات : 6 ] تلقي الضوء على هذا